السيد علي الفاني الأصفهاني

197

آراء حول القرآن

ان قال - ثم قال رسول اللّه ( ص ) : يا عباد اللّه أنتم كالمرضى واللّه رب العالمين كالطبيب فصلاح المرضى فيما يعلمه الطبيب ويدبره به لا فيما يشتهيه المريض ويقترحه ألا فسلموا للّه أمره تكونوا من الفائزين ، فقيل يا بن رسول اللّه : فلم أمره بالقبلة الأولى ؟ فقال : لما قال اللّه عزّ وجلّ : وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها - وهي بيت المقدس - إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ « 1 » ، الا لنعلم ذلك منه « 2 » وجودا بعد أن علمناه سيوجد وذلك أن هوى أهل مكة كان في الكعبة فأراد اللّه أن يبين متبع محمد من مخالفيه باتباع القبلة التي كرهها ومحمد يأمر بها ، ولما كان هوى أهل المدينة في بيت المقدس أمرهم بمخالفتها والتوجه إلى الكعبة ليبيّن من يوافق محمدا فيما يكرهه فهو مصدقه وموافقه ، ثم قال : وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى اللّه ، وإن كان ما كان التوجه إلى بيت المقدس في ذلك الوقت كبيرة إلا على من يهدي اللّه ، فعرف أن اللّه يتعبد بخلاف ما يريده المرء ليبتلى طاعته في مخالفة هواه » « 3 » ، انتهى . أقول : فقد ظهر من نصّ القرآن أن النسخ صحيح وواقع وليس من التغيير في الرأي وحدوث العلم بعد الجهل ، ولا يكون جزافا بل لا بد وأن يكون لأجل مصلحة في الجعل الأولى وإبرازه بصورة الاستمرار ثم إزالته عن عالم الإثبات . ومنه قوله تعالى : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ

--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 143 . ( 2 ) هذا التعبير دليل على ما نقول من أن العلم الفعلي عبارة عن حضور المعلوم بوجوده الخارجي لدى العالم ، فراجع رسالتنا في البداء . ( 3 ) البرهان : ج 1 ص 158 .